محمد بن جرير الطبري

184

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تبارك وتعالى عن المنافق الذي أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه يعجبه إذا تكلم قيله ومنطقه ، ويستشهد الله على أنه محق في قيله ذلك لشدة خصومته وجداله بالباطل والزور من القول . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها يعني بقوله جل ثناؤه : وَإِذا تَوَلَّى ، وإذا أدبر هذا المنافق من عندك يا محمد منصرفا عنك . كما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : وَإِذا تَوَلَّى قال : يعني : وإذا خرج من عندك سعى . وقال بعضهم : وإذا غضب . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج قال : قال ابن جريج في قوله : وَإِذا تَوَلَّى قال : إذا غضب . فمعنى الآية : وإذا خرج هذا المنافق من عندك يا محمد غضبان عمل في الأَرض بما حرم الله عليه ، وحاول فيها معصية الله ، وقطع الطريق ، وإفساد السبيل على عباد الله ، كما قد ذكرنا آنفا من فعل الأَخنس بن شريق الثقفي الذي ذكر السدي أن فيه نزلت هذه الآية من إحراقه زرع المسلمين وقتله حمرهم . والسعي في كلام العرب العمل ، يقال منه : فلان يسعى على أهله ، يعني به يعمل فيما يعود عليهم نفعه ؛ ومنه قول الأَعشى : وسعى لكندة سعي غير مواكل * قيس فضر عدوها ونبالها يعني بذلك : عمل لهم في المكارم . وكالذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله وَإِذا تَوَلَّى سَعى قال : عمل . واختلف أهل التأويل في معنى الإِفساد الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق ، فقال بعضهم : تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطريق وإخافته السبيل ، كما قد ذكرنا قبل من فعل الأَخنس بن شريق . وقال بعضهم : بل معنى ذلك قطع الرحم وسفك دماء المسلمين . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج في قوله : سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها قطع الرحم ، وسفك الدماء ، دماء المسلمين ، فإذا قيل : لم تفعل كذا وكذا ؟ قال أتقرب به إلى الله عز وجل . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تبارك وتعالى وصف هذا المنافق بأنه إذا تولى مدبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل في أرض الله بالفساد . وقد يدخل في الإِفساد جميع المعاصي ، وذلك أن العمل بالمعاصي إفساد في الأَرض ، فلم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإِفساد دون بعض . وجائز أن يكون ذلك الإِفساد منه كان بمعنى قطع الطريق ، وجائز أن يكون غير ذلك ، وأي ذلك كان منه فقد كان إفسادا في الأَرض ، لأَن ذلك منه لله عز وجل معصية . غير أن الأَشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريق ، ويخيف السبيل ، لأَن الله تعالى ذكره وصفه في سياق الآية بأنه سعى في الأَرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ، وذلك بفعل مخيف السبيل أشبه منه بفعل قطاع الرحم . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ اختلف أهل التأويل في وجه إهلاك هذا المنافق ، الذي وصفه الله بما وصفه به من صفة إهلاك الحرث والنسل ؛ فقال بعضهم : كان ذلك منه إحراقا لزرع قوم من المسلمين وعقرا لحمرهم . حدثني بذلك موسى بن هارون ، قال : ثني عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط عن السدي . وقال آخرون بما . حدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا عثام ، قال : ثنا النضر بن عربي ، عن مجاهد : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ الآية ، قال : إذا تولى سعى في الأَرض بالعدوان والظلم ، فيحبس الله بذلك القطر ، فيهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد . قال : ثم قرأ مجاهد : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قال : ثم قال : أما والله ما هو بحركم هذا ، ولكن كل قرية على ماء حار فهو بحر . والذي قاله مجاهد وإن كان مذهبا من التأويل تحتمله الآية ، فإن الذي هو أشبه بظاهر التنزيل من التأويل ما ذكرنا عن السدي ، فلذلك اخترناه . وأما الحرث ، فإنه الزرع ، والنسل : العقب والولد ، وإهلاكه الزرع : إحراقه . وقد يجوز أن يكون كان كما قال مجاهد باحتباس القطر من أجل معصيته ربه وسعيه بالإِفساد في الأَرض ، وقد يحتمل أن يكون كان بقتله القوام به والمتعاهدين له حتى فسد فهلك . وكذلك جائز في معنى إهلاكه